نصر حامد أبو زيد
206
الاتجاه العقلي في التفسير
والأشعار ، وذلك لا يجوز على أهل الجنة . فإذا بطل أن يكون المراد بالنظر المذكور في الآية هذه الوجوه ، ثبت أن المراد به الرؤية على ما قلناه » 211 . في هذا النص يلخّص القاضي عبد الجبار أدلّة خصومه على أن المراد بالآية النظر الذي هو الرؤية بالحاسة . والأساس الأول الذي تقوم عليه هذه الأدلّة أن النظر قد علّق بالوجه ، والوجه آلة في النظر ، ومن ثم لا تحتمل الآية معنى الانتظار . أمّا الأساس الثاني فهو أن النظر قد عدي بحرف الجر « إلى » ومن ثم لا يحتمل معنى الفكر ، لأن النظر بمعنى الفكر لا يعدّى بحرف الجر « إلى » وإنما يعدّى بحرف الجر « في » . الأساس الثالث أن الآية وردت في شأن أهل الجنة الذين لا يجوز عليهم الانتظار لما يسببه لهم من غم وقلق لا يليق بحال أهل الجنة وتكريمهم . ويتصدّى القاضي عبد الجبار لمناقشة هذه الأسس التي يقيم عليها الخصوم دليلهم . وسبيله في هذه المناقشة ، وتأويل الآية بما يتفق مع أصوله ، ليس سهلا ولا بسيطا ، وإنما شأنه في ذلك تفتيت الآية واعمال سلاح المجاز في معظم ألفاظها ، بل وفي حرف الجر أيضا . يبدأ القاضي عبد الجبار - أولا - بالتفرقة بين « النظر » و « الرؤية » « لأن النظر في الحقيقة هو تقليب الحدقة الصحيحة نحو الشيء التماسا لرؤيته ، والرؤية ادراك المرئي عند النظر . . . فالنظر هو طريق للرؤية فينا فأمّا أن يكون هو الرؤية في الحقيقة فمحال . يدل على ذلك أنّا نعلم بالمشاهدة كون الناظر ناظرا ، ولا نعلمه رائيا إذا كان المرئي مما يدق ويخفى . يبين ذلك أنّا نعلم أن الجماعة ناظرة إلى الهلال ولا نعلمها رائية له ، ولذلك يحتاج أن يرجع إلى قولها في أنها رأت الهلال أم لم تره ، ولا يحتاج في كونها ناظرة إلى ذلك ، بل نعلمه باضطرار . فثبت أن النظر الذي نعلمه من حالها غير الرؤية التي نجهلها ولا نعلمها ، وأن النظر الذي نعلمه لا من قبلها غير الرؤية التي نعلمها من قبلها » 212 . وبعد هذه التفرقة بين « النظر » و « الرؤية » وأن النظر هو تقليب الحدقة الصحيحة في الشيء التماسا لرؤيته والرؤية هي ادراك الشيء ، وعلى ذلك فليس كل من نظر فقد رأى ، لأن الرؤية نتيجة للنظر ، وتتوقف على حال المرئي من الدقة والخفاء أو الوضوح والانكشاف . بعد هذه التفرقة ينتقل القاضي عبد الجبار إلى أدلّة الخصوم دليلا دليلا لمناقشتها وتأويل الآية . والدليل الأول الذي يناقشه القاضي هو قول الخصوم أن النظر إذا علّق بالوجه لا يحتمل إلّا الرؤية ، لأن الوجه آلة في النظر . يرى القاضي أن تعلق النظر بالوجوه مجاز وليس حقيقة لأن الوجوه لا ترى في الحقيقة « ولا يصح أن ينظر بها أيضا لأن النظر يقع بالعين التي في الوجه دون الوجه . وإذا لم يجز أن يراد بالوجوه العضو على الحقيقة ، لأن العضو لا ينظر في